» لكن مريم هزت راسها، وفضلت واقفة مكانها، وعينيها على الشيخ. «إنت جيت هنا ليه؟» السؤال كان بسيط، لكن الشيخ حس إنه لازم يجاوبها بصدق. «كنت عايز أشوفك.» مريم بصت له بذهول، وبعدها ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة. «تشوفني؟! إنت تعرفني من إمتى عشان تيجي لحد بيتي؟ إنت حتى متعرفش عني غير اسمي اللي قريته على الطلب!» الشيخ سكت. كان عندها حق. هو تصرف بدافع فضوله وانجذابه الغريب ليها، من غير ما يفكر في إحساسها أو في حقها إنها تختار مين يدخل حياتها ومين يفضل بعيد عنها. مريم مسحت دموعها بطرف كمها، وقالت بوضوح: «أنا مش محتاجة حد ييجي ينقذني عشان بعد كده يحسسني إني مدينة له بحاجة. أنا بشتغل وبصرف على نفسي، وبحاول أحل مشاكلي بنفسي. ولو حضرتك فاكر إن عشان عندك فلوس تقدر تدخل حياة الناس بالشكل ده، فأنت غلطان.» الشيخ حس إن كلامها وجعه، مش لأنها أهانته، لكن لأنها حطت قدامه حقيقة ما كانش شايفها. قال بهدوء: «أنا مش مستني منك حاجة، ولا ليكي عندي أي دين. وأنا آسف إني جيت من غير إذنك. بس لما سمعت صوتك بتستغيثي، مقدرتش أمشي.» مريم بصت له طويلًا، وبعدها قالت: «كان ممكن تطلب الشرطة من بره، من غير ما تدخل نفسك في خناقة.» «كان ممكن،» اعترف بصراحة، «ويمكن ده كان التصرف الأصح.
بس في اللحظة دي، خفت إن حد يتأذى قبل ما حد يوصل.» لأول مرة، مريم ما لقتش رد سريع. مش لأنها سامحته، لكن لأنها شافت في عينيه إنه مش بيحاول يطلع نفسه بطل، ولا بيطلب منها تشكره. وفجأة، صوت صفارة الشرطة قطع الصمت اللي مالي الشقة. الراجل اتوتر، وبدأ يلف في المكان بعصبية، وبعدين قرب من مريم وهمس بتهديد: «لو فتحتي بوقك بكلمة، هتشوفي أيام سودا.» الشيخ سمعه، فوقف قدامه فورًا وقال: «التهديد ده كمان هيتسجل عليك.» وبعد لحظات، دخل ضابط ومعاه فردين من الشرطة، وبدأوا يسألوا عن اللي حصل. الشيخ حكى اللي سمعه وشافه من أول لحظة، ومريم، بعد تردد طويل، قررت تحكي الحقيقة كاملة. ما كانتش المرة الأولى اللي والدها يعتدي عليها فيها، لكن كانت أول مرة حد يقف قدامه وما يطلبش منها تسكت عشان خاطر العيلة. ولما الضابط سألها إذا كانت عايزة تعمل محضر رسمي، مريم بصت لأبوها، وبعدين لأخوها الصغير كريم اللي كان واقف عند باب الأوضة وبيعيط في صمت. افتكرت كل مرة كانت بتخبي فيها الكدمات تحت هدومها، وكل مرة كانت بتخرج للشغل وتضحك في وش الناس وهي من جواها بتنهار، وكل مرة كانت بتقنع نفسها إن بكرة يمكن يكون أحسن. رفعت راسها أخيرًا وقالت: «أيوه يا فندم... عايزة أعمل محضر.» عبد الرحمن غمض عينيه بألم، لكن ما اعترضش.
والشيخ، لأول مرة من ساعة ما دخل الشقة، حس إن مريم بدأت تستعيد جزءًا من قوتها، وإنه مهما كان اللي هيحصل بعد كده، القرار ده لازم يفضل قرارها هي.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.