” ساعتها حسيت إن الجبل اللي كان على صدري انزاح. فهمت أخيرًا إن الحياة مش منافسة، وإن الإنسان مش بياخد غير نصيبه. وإن الحصاد الحقيقي مش بالفلوس والمظاهر، بل بالقلب السليم اللي بيعرف يفرح لفرحة غيره. قال: “أتمنى إن موضوع الأرض يكون اتحل.
” ردت ماما: “المحامي بيتابع، وربنا يقدم اللي فيه الخير.” هز رأسه، وبعدها قال: “الحمد لله. أهم حاجة ما تمضوش على أي حاجة قبل ما تفهموا كل تفاصيلها.” وبعدين استأذن ومشي. فضلت واقفة أبص له وهو بيبعد.
كان ممكن يستغل الموقف ويطلب مني أكلمه، أو يفتح موضوع الخطوبة، أو حتى يلمح إنه لسه مهتم بيا. لكنه ما عملش أي حاجة من دي. اتعامل معانا باحترام، وسابنا نمشي. ماما لاحظت إني ساكتة، فقالت: “شايفة يا سهى؟ مش كل الناس بتعمل الخير عشان تستنى مقابله.
” ما رديتش. لأن الجملة دي كانت بتلمس حاجة جوايا كنت بحاول أتجاهلها. مرت أسابيع، وإيمان بدأت ترجع لطبيعتها بالتدريج. كانت بتخرج مع ماما، وبتساعدها في البيت، وبدأت تضحك تاني، لكن كان واضح إنها لسه بتفكر في موضوع ياسين.
وفي مساء يوم خميس، كنت قاعدة في أوضتي، وسمعت ماما بتتكلم معاها في الصالة. ما كنتش أقصد أتنصت، لكن صوتهم كان واضح. ماما قالت: “يا بنتي، أنا مش عايزاكي تاخدي قرار عشان ترضي حد.” إيمان ردت: “أنا عارفة يا ماما.” “لو مش عايزة ترجعي له، محدش هيجبرك.
” إيمان سكتت شوية، وبعدها قالت: “أنا مش عارفة إذا كنت أقدر أثق فيه تاني ولا لأ. هو اعتذر، وأنا مصدقة إنه ندمان، لكن اللي حصل وجعني.” ماما قالت: “وده طبيعي. الثقة مش بترجع بكلمتين.” إيمان ردت: “أنا كمان مش عايزة أرفضه لمجرد إني خايفة.
يمكن فعلًا يكون اتعلم من اللي حصل. بس لو رجعنا، لازم أفهم منه ليه صدق الكلام بسرعة، وليه ما سألنيش من الأول.” ماما قالت: “يبقى دي الأسئلة اللي لازم تسأليهاله، لو قررتي تقابليه.” رجعت لأوضتي بهدوء. ما كنتش عارفة ليه الكلام ده وجعني.
يمكن لأن إيمان، رغم كل اللي حصل، كانت بتفكر بعقل، وأنا كنت لسه بفكر إزاي أرجع صورتي قدام الناس. وفي اليوم اللي بعده، عرفت من عمتي إن ياسين طلب يقابل إيمان مع وجود ماما وعمتي، وإن إيمان وافقت على المقابلة.
الخبر خلاني مش عارفة أعمل إيه. قعدت قدام المراية، وافتكرت كل الرسائل اللي كنت ببعتها لياسين، وكل مرة كنت بحاول أقنعه إن إيمان مش مناسبة ليه. افتكرت إني قلت له إنها وافقت عليه عشان فلوسه، وإنها كانت هتسيبه أول ما تلاقي فرصة أحسن.
والحقيقة إن إيمان كانت أكتر واحدة فينا ما سألتش عن فلوسه أصلًا. كانت بتسأل عن صلاته وأخلاقه، وعن طريقة معاملته لأهله. أما أنا، فكنت بسأل عن أرضه وشركته ومكانته. ولأول مرة، ما قدرتش ألوم حد غير نفسي. المقابلة تمت في بيت عمتي، بحضور ماما.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.