وفي يوم، كنت قاعدة في الصالة، وسمعت صوت ماما وهي بتتكلم في التليفون. كانت بتقول: “أيوه يا منى، أنا فاهمة. بس البنت لسه مش مستعدة.” سكتت شوية، وبعدها قالت: “لا، ما فيش أي ضغط عليها. لو هي وافقت، يبقى بمزاجها.
” قلبي بدأ يدق. قمت من مكاني وقربت منها. أول ما شافتني، قفلت المكالمة. سألتها: “مين اللي كان بيكلمك؟” قالت: “عمتك.” “وعايزة إيه؟” ترددت قبل ما ترد. “كانت بتسأل على إيمان.” حسيت إن الدم بيغلي في عروقي. “إيمان تاني؟ هو الموضوع مش هيخلص؟
” ماما بصت لي وقالت: “ياسين طلب من عمتك يعرف إذا كانت إيمان مستعدة تسمع منه، وهي قالت له إنها محتاجة وقت.” ضحكت بسخرية. “يعني لسه بيجري وراها؟” ماما ردت: “هو ما جريش وراها. هو اعتذر، وطلب فرصة، وهي من حقها توافق أو ترفض.” قعدت على الكنبة، وحطيت إيدي على رأسي.
كنت فاكرة إن ياسين هيرجع لي بعد ما يهدأ، وإنه هيكتشف إنه استعجل في قراره. لكن اللي كنت بسمعه دلوقتي كان معناه إنه فعلًا مشغول بإيمان. سألت ماما: “أتمنى الأمور بخصوص الأرض تكون اتظبطت معاكم.” قالت ماما بسرعة: “الحمد لله يا ابني، المحامي بتابع كل حاجة.
متشكرين لذوقك ومساعدتك.” قال ياسين باحترام: “ده واجب يا طنط. وأنا تحت أي طلب لو احتجتوا أي استشارة.” وبعدين بص لإيمان، وقال بصوت هادئ: “مساء الخير يا إيمان.” إيمان ردت بهدوء: “مساء النور يا بشمهندس.” سكت ثواني، كأنه كان محتار يقول إيه تاني، وبعدين ودعنا وركب المصعد مع زميله.
وقفت مكانى، وحسيت بغصة في ضلوعي. الطريقة اللي اتكلم بيها، وأخلاقه اللي ظهرت في كل المواقف دي، خلتني أحس بندم حقيقي على كل كلمة قلتها، وعلى كل حركة عملتها عشان أخده لنفسي. رجعت البيت مع ماما وإيمان، وكانت الطريق كلها صمت. كل واحدة فينا كانت غارقة في أفكارها.
بعد اليوم ده، عدت أسابيع هادئة نسبيًا. المحامي بدأ ينجز في إجراءات الأرض، وماما كانت بتتابع معاه أول بأول. أما أنا، فكنت بقضي معظم وقتي في أوضتي، بفكر في حياتي وإزاي خسرت كل حاجة بسبب طمعي وعنادي. وفي يوم من الأيام، واحنا قاعدين في الصالة، جرس البرا رن.
قمت أفتح، ولقيت عمتي منى واقفة على الباب، ووشها ماليان ابتسامة عريضة. أول ما شافتني، حضنتني وقالت: “مبروك يا سهى.” استغربت وسألتها: “مبروك على إيه يا عمتي؟” دخلت وقالت لماما وإيمان اللي جم ورانا: “ياسين طلب إيد إيمان رسمي، وأهلنا في البلد كلهم عرفوا، ومحدش صدق إن البنت المحترمة دي هتبقى مرات ابن عمنا الكبير!
” ماما ابتسمت بسعادة، وإيمان بصت في الأرض بكسوف واضح، وخدودها احمرت. أما أنا… فلأول مرة، حسيت بشعور غريب جوه قلبي. مش غيظ، ولا نفسنة زي ما كنت متعودة. كان إحساس بالراحة. راحة لأن أختي اللي استحملت كتير، واستحملت طريقتي وأنانستي، لقت الشخص اللي بيقدرها ويحترمها بجد.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.