مراتي زهرة الربيع

نُشر منذ 4 أيام
حفظ
غلاف المقال

شفت في عينها نورهان حبيبتي بتاعة زمان، البنت اللي ضحكتلي الدنيا لما اتجوزتها. ابتسمت ابتسامة خفيفة أوي، أصغر من الهمسة، وهزت رأسها ببطء كأنها بتقولي "أنا ارتحت خلاص".
إيدها ارتخت في إيدي.. والشاشة طلعت الصوت المتواصل اللي بيعلن نهاية كل حاجة.

نورهان ماتت.. راحت للمكان اللي مفيش فيه طين، ولا فيه ميكروبات، ولا فيه قسوة بشر. راحت وسابتني هنا في الدنيا، مغسول بالذنب اللي مفيش مية في الكون تقدر تطهره.

بقيت بتمشى في شوارع القاهرة زي المجذوب، كل ما أشوف حد بيغسل إيده أو يطهر حاجة، أقف وأصرخ فيه بأعلى صوت: "ارحموا بعض.. المرض مش عيب، والقسوة هي الوباء الحقيقي!".

صرختي في الشارع كانت آخر حاجة افتكرها قبل ما أقع على وشي في التراب. صحيت على ريحة مطهرات وكحول طالعة في مناخيري، ريحة كنت بكرها وبخاف منها، بس المرة دي كانت ريحة المصحة اللي اتنقلت ليها بعد ما دخلت في انهيار عصبي كامل.

لقيت نفسي نائم على سرير أبيض، وبدأت أفوق ببطء على الواقع الجديد.. واقع إني بقيت مكان نورهان.

الدكتور النفسي اللي كان بيعالجها هو نفسه اللي بقى بيتابع حالتي. جالي وقعد جنبي، وبصلي بهدوء وقال: "أحمد، أنت مش محتاج تعاقب نفسك أكتر من كده. اللي حصل كان جهل ونتيجته قاسية، بس لو فضلت في السجن اللي بنيته لنفسك ده، هتكون بتدمر حياتك زي ما دمرت حياتها.

. نورهان دلوقتي في مكان أحسن، وأحسن حاجة تقدمها لروحها هي إنك تكفر عن ذنبك ده بطريقة صح".
كلماته كانت زي المية الباردة اللي نزلت على نار جوايا. لأول مرة أفهم إن الندم والبكاء على اللي فات مش هيغيروا حاجة، وإن التكفير الحقيقي مش بالجنون ولا بالهروب، لكن بالعمل.

بعد ست شهور علاج، خرجت من المصحة إنسان تاني خالص. بعت ما تبقى من حيلتي، وأسست بفلوس بسيطة مؤسسة خيرية صغيرة وسليمة تحت اسم "مؤسسة نورهان للدعم النفسي". خصصت المؤسسة دي للتربية والتوعية بالأمراض النفسية والوسواس القهري، واستعنت بأطباء متطوعين عشان يساعدوا العائلات والأزواج اللي بيمروا بنفس المشكلة، ويعرفوهم إن المرض النفسي محتاج علاج وتفهم مش قسوة وصدمات.

بقيت أقف في الندوات وأحكي قصتي بالكامل من غير خجل.. أحكي عن الجهل اللي دمر بيتي وشرد مراتي وق. تل ابني، عشان أكون العبرة اللي تمنع أي راجل أو أي أم إنهم يكرروا الغلطة دي.

كل ما أشوف زوج جاي ماسك إيد مراته المريضة وبيساعدها تتخطى وسواسها بحب وعلم، بحس إن روح نورهان بترتاح في مكانها، وإني بنقض جزء صغير من الدين اللي عليا.

أنا لسه بروح كل جمعة أزور قبرها، أحط ورد معطر—زي الورد اللي كانت بتحبه في أول أيام جوازنا—وأقعد أكلمها وأقرأ لها الفاتحة. ما بقيتش أبكي زي زمان، بس بقيت أدعي ربنا يجمعني بيها في مكان أنظف وأطهر من الدنيا دي.. مكان مفيش فيه وسواس، ولا قسوة، ولا ذنب.

السنوات عدت، والمؤسسة اللي شالت اسم نورهان كبرت وبقت مأوى لكل إنسان حاسس إنه غريب ومش مفهوم، ولكل عيلة كانت على وشك تكرر نفس غلطتي وترتكب جريمة باسم "التربية" أو "العقل".

في يوم من أيام الشتا، كانت المؤسسة زحمة جداً. كنت قاعد في مكتبي بتابع الحالات، وجم أبلغوني إن فيه شاب صغير في العشرينيات قاعد بره بيبكي بحرقة ومصمم يقابلني أنا بالذات.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HF

Hana Fahmy ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
39مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

عمتي زهرة الربيع روايات

عمتي زهرة الربيع

عمتي زهرة الربيع عمتي جابتلي عريس من الارياف ورفضته فورا لاني مكنتش عايزه اتجوز هناك، بس ا…

Hana Fahmy 0.0 37 دقائق