مراتي زهرة الربيع

نُشر منذ 4 أيام
حفظ
غلاف المقال

أول ما لمست كتفها، لفت لي بصت في عيني لأول مرة من يوم الحادثة.نظرة كانت أتقل من جبال الدنيا كلها.. كانت نظرة واحد بيبص لقاتله.سحبت إيدها مني بالراحة، وقالت بأسى وصوت هادي ومجروح يقطع القلب: "ما تلمسنيش يا أحمد..

أنت الوسواس الحقيقي اللي كان لازم أطهر بيتي ونفسي منه من الأول".طلعت من الحمام، فتحت الدولاب، ولمت هدومها في شنطة صغيرة في أقل من خمس دقائق، ومن غير ما تصرخ ولا تتخانق ولا تطلب أي حاجة، مشيت وراحت بيت أهلها.

أهلها لما عرفوا اللي حصل رفعوا عليا قضايا، وما سمحوليش حتى ألمح طيفها من بعيد. ما قاوِمْتِش، وما دافعتش عن نفسي، لأن حكم القاضي عليا مش هيكون أقسى من الحكم اللي حكمت بيه على نفسي..

أنا خصرت كل حاجة: ابني اللي ما لحقتش أشوفه، ومراتي اللي دمرت روحها، وعقلي اللي بقيت عايش بيه في شقة فاضية، كل شبر فيها بيصرخ بالذنب، وكل ما أمد إيدي ألمس أي حاجة في البيت.. بحس إني محتاج أستحمى من القرف اللي عملته في حق أكتر إنسانة حبيتها في حياتي.

تمر السنين، والشقة اللي شهدت على جنايتي بقت زي الضريح.

ما غسلتش البقعة السودا اللي على كرسي السفيرة، ولا غيرت مكان الشنطة اللي لمت فيها نورهان بقايا حياتها ومشيت. كل يوم بعد ما أرجع من الشغل، بقعد في الصالة الضلمة، أصغِر عينيا وأتخيلها واقفة قدامي بالقماش المعطر والقفازات البلاستيك.

. ويا على جمال أيام ما كانت بتخلعني الجزمة عند الباب! ياه لو الزمن يرجع، وكنت قلعت هدومي في الشارع ورشيت على نفسي كحول وعشت عمر بكتيريا تحت رجليها، ولا إني أشوف النظرة اللي بتهالي بيها ليل نهار!

أمي صحتها اتدهورت بعد اللي حصل. الذنب أكل جسمها لحد ما الفراش غلبها، وبقت كل ما أزورها في المستشفى تبصلي بعيون مكسورة وتقولي: "سامحني يا ابني.. أنا اللي غماني الشيطان وعميتك معايا".

كنت بطبطب عليها وأنا ساكت، لأن التسامح كلمة كبيرة أوي على قسوة اللي عملناه. ماتت أمي، وبقيت أنا لوحدي تماماً في الدنيا.. لا أم ولا زوجة ولا ولد.

في يوم، بعد مرور أربع سنين على الليلة الشؤم دي، كنت ماشي في حديقة عامة قريبة من مستشفى نفسي، ولقيت واحدة قاعدة على دكة خشبي باصة للسما..
قلبي اتنفض. الحركة دي.. الوقفة دي..
قربت بخطوات أتقل من الجبال، ورجليا بترتعش. كانت نورهان.

شكلها اتغير كتير؛ وشها دبلان، بس فيه هدوء غريب ومش طبيعي. كانت ماسكة في إيدها حتة قماشة بيضا، وبتفركها ببطء شديد، صوابعها متحجرة من كتر المسح والتطهير على لا شيء. عرفت ساعتها إن أهلها ما قدروش يتعاملوا مع حالتها ونقلوها لمصحة للعلاج النفسي بعد ما رفضت تتكلم مع أي كائن حي.

وقفت قدامها على بعد خطوات.. خايف أقرب عشان ما أجددش جرحها، وخايف أبعد وما أرويش عطش عينيا لشوفها.
رفعت رأسها بالراحة وبصتلي.

المفاجأة إنها ما صرختش، وما اتخضتش.. حتى ما أبدتش أي تعبير على وشها، وكأني مجرد طيف أو هواء معدي. بصت في عيني لثواني معدودة، وبعدين رجعت كملت فرك في قطعة القماش اللي في إيدها وهي بتهمس مع نفسها بصوت واطي جداً: "الميكروبات مش بتطلع.. الدم مش بيتمسح.. الميكروبات مش بتطلع..".

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
HF

Hana Fahmy ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
39مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

عمتي زهرة الربيع روايات

عمتي زهرة الربيع

عمتي زهرة الربيع عمتي جابتلي عريس من الارياف ورفضته فورا لاني مكنتش عايزه اتجوز هناك، بس ا…

Hana Fahmy 0.0 37 دقائق