وقفت قدامها على بعد خطوات.. خايف أقرب عشان ما أجددش جرحها، وخايف أبعد وما أرويش عطش عينيا لشوفها.
رفعت رأسها بالراحة وبصتلي.
المفاجأة إنها ما صرختش، وما اتخضتش.. حتى ما أبدتش أي تعبير على وشها، وكأني مجرد طيف أو هواء معدي. بصت في عيني لثواني معدودة، وبعدين رجعت كملت فرك في قطعة القماش اللي في إيدها وهي بتهمس مع نفسها بصوت واطي جداً: "الميكروبات مش بتطلع.. الدم مش بيتمسح.. الميكروبات مش بتطلع..".
اللحظة دي كانت إعدامي الحقيقي.
نورهان ما بقيتش تكرهني.. نورهان مسحتني من ذاكرتها أساساً! العقل عشان يحمي نفسه من بشاعة الذكرى، محا وجودي ووجود الجنين والواقع كله، وسابها محبوسة جوه هوسها للأبد، بتطهر إيدها من ذنب ما عملتوش.
نزلت على ركبي في التراب قدامها، التراب اللي كنت فاكر إنه هيشفيها، وبكيت بمرارة وشهقات هزت المكان. حاولت أمد إيدي ألمس طرف طرحتها عشان أترجاها تسامحني، بس إيدي اتجمدت في الهواء.. افتكرت إن لمستي كانت بتضايقها زمان، ودلوقتي لمستي هي الوباء الحقيقي.
سيبتها ومشيت، وأنا عارف إن العقاب المشدد مش السجن، العقاب إنك تفضل عايش وصاحي، بتشوف الإنسان اللي دمرته بعينيك، وعارف إنك حتى لو طهرت روحك بمية الأرض كلها.. مش هتغسل نقطة دم واحدة من اللي سيبتها على إيديك.
المصحة النفسية بقت هي المكان الوحيد اللي بيحسسني إني لسه على قيد الحياة، حتى لو الحياة دي عبارة عن عذاب يومي بنزل فيه على ركبي قدام سور المصحة.
بقيت أروح كل يوم في نفس الميعاد، أقعد على الدكة البعيدة عن الجنينة عشان ألمحها من بعيد وهي ماشية ببطء بين الشجر، لابسة الروب الأبيض، وماسكة حتة القماش إياها بتفرك فيها بنفس الحركة الميكانيكية التي لا تنتهي.
الدكتور المتابع لحالتها عرف قصتي، وفي يوم خرجلي بره، وبصلي بأسف وقاللي: "وجودك هنا مش هيغير حاجة يا أحمد.. نورهان عندها انفصال تام عن الواقع، عقلياً هي مسحت حادثة الإجهاض ومسحت وجودك، بس جسمها ونفسيتها متخزّن فيهم التروما.
هوس النظافة اللي كان عندها زمان كان مجرد اعراض لوسواس قهري شديد كان محتاج علاج نفسي ودوائي هادي، لكن الصدمة العنيفة اللي تعرضت لها حولت الوسواس لمرض ذُهاني دائم.. هي دلوقتي بتطهر نفسها من الذكرى اللي مش قادرة تستوعبها".
كل كلمة دكتور قالها كانت بتنزل على قلبي زي السكينة التلمة. أنا اللي عملت فيها كده.. أنا وبجهلي وبأفكار أمي القديمة دمرنا إنسانة رقيقة كان كل عيبها إنها مريضة ومحتاجة إيد حنينة تاخد بإيدها للدكتور!
مرت الأيام، وحالتي المادية والنفسية اتدهورت تماماً. بعت الشقة الشؤم دي، وكل المبالغ اللي حيلتي حطيتها في حساب المصحة عشان يراعوها ويوفروالها أحسن رعاية، وما تبقاليش غير أوضة صغيرة حيرت فيها نفسي فوق سطح بيت قديم.
في يوم شتي قارس، وأنا قاعد مستني ميعاد الزيارة، جالي تليفون من إدارة المصحة. قلبي اتقبض، ورجليا كانت بتخبط في بعضها وأنا برد: "أستاذ أحمد؟ دكتورة نورهان تعبت فجأة ونقلناها الرعاية المركزة.. مناعتها ضعيفة جداً من كتر الغسيل والمطهرات اللي بتستخدمها على جلدها في السر، وجالها التهاب رئوي حاد".



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.