رجعت للترابيزة، وإيدي بتترعش وأنا بمسك الظرف. فتحته. كان جواه صور قديمة، وشوية أوراق، ومظروف أبيض صغير مكتوب عليه بخط ناعم: “إلى بنتي مريم… سامحيني لو عرفتي الحقيقة متأخر.” حسيت إن نفسي اتقطع. فتحت الجواب، وبدأت أقرأ.
“بنتي وحبيبتي مريم… لو الجواب ده وصل لإيدك، يبقى أنا خلاص مش موجودة في الدنيا. يمكن تكوني زعلانة من أبوكي، ويمكن تكرهيه لما تعرفي إنه خبّى عنك الحقيقة. بس قبل ما تحكمي عليه، لازم تعرفي إن الراجل ده دفع من عمره وصحته وراحته تمن قرار أنا اللي طلبته منه.
أنا ما سبتكيش علشان مش بحبك. ولا أبوكي حرمني منك علشان كان قاسي. الحقيقة يا بنتي إن أبوكي…” وقفت عن القراءة. لأن الجملة اللي بعدها كانت أغرب حاجة ممكن أسمعها في حياتي. “الراجل اللي رباكي طول السنين دي مش أبوكي الحقيقي… لكنه الوحيد اللي اختار يكون أبوكي، رغم إن كل الناس طلبت منه يبعد عنك.
”الراجل اللي ناديت عليه بابا خمسة وعشرين سنة. الراجل اللي كنت فاكرة إن دمه بيجري في عروقي. لقيته بيبصلي ودموعه مغرقة وشه. همست: — إنت مش أبويا؟ رد بصوت مبحوح: — أنا أبوكي يا مريم… حتى لو مش من دمي. حسيت إني مش قادرة أقف.
رجعت قعدت، وكملت قراءة الجواب. “علشان تفهمي الحكاية، لازم أرجع بيكي لليلة من ستة وعشرين سنة… الليلة اللي أبوكي الحقيقي سابني فيها وأنا حامل فيكي، والليلة اللي حسن دخل فيها حياتي وأنقذني من مصير ما كنتش هقدر أواجهه لوحدي.
” وقتها محمود قرب مني وقال: — هحكيلك يا مريم… لأن أنا كنت شاهد على كل حاجة. الحكاية اللي اتدفنت ستة وعشرين سنة محمود سحب كرسي وقعد قصادي. بص لحسن، وبعدين بدأ يحكي. — من ستة وعشرين سنة، أمك نادية كانت بنت عندها اتنين وعشرين سنة.
جميلة، ومتعلمة، ومن عيلة بسيطة، وكانت متجوزة واحد اسمه شريف. حسن كان صاحب شريف من أيام المدرسة. التلاتة كانوا يعرفوا بعض كويس. شريف كان شغال في التجارة، وبيسافر كتير، لكن كان عنده مشكلة كبيرة. كان بيحب الفلوس أكتر من أي حاجة.
ولما اتعرض لخسارة كبيرة في شغله، بدأ يستلف من الناس، ويبيع حاجات من البيت من غير علم مراته. وأمك كانت حامل في شهرها السابع. وفي ليلة، شريف اختفى. ساب جواب صغير قال فيه إنه مسافر ومش هيرجع.
وساب وراه ديون ومشاكل، وناس بتطالب بفلوسها. أمك حاولت تتصل بيه عشرات المرات، لكنه كان قافل تليفونه. ولما راحت لأهله، قالولها إنها مش مسؤوليتهم. وفي الوقت ده، حسن كان لسه شاب عنده تلاتين سنة. كان عنده ورشة صغيرة، وبيحاول يبني مستقبله.
ولما عرف اللي حصل، وقف جنب نادية. ساعدها تسدد الإيجار، ووفّر لها شغل بسيط تقدر تعمله من البيت، وكان بيتابع أخبارها عن طريق أسرته. وبعد شهرين، اتولدتِ إنتِ. لكن بعد الولادة بأيام، أمك تعبت تعب شديد. الدكاترة اكتشفوا إنها عندها مرض خطير في الكلى، وإنها محتاجة علاج ومتابعة مستمرة.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.