بصيتله بسرعة وسألته: — حضرتك كنت تعرف أمي كويس؟ كان لسه هيرد، لكن أبويا قاطعه بعصبية: — إحنا مش جايين هنا علشان نتكلم في الموضوع ده! ساعتها مقدرتش أسكت أكتر. بصيت لأبويا وقلتله بصوت بيترعش: — أمال إحنا جايين هنا ليه؟! إيه اللي بيحصل يا بابا؟ وإيه اللي إنتوا مخبيينه عني؟! محدش رد.
كلهم سكتوا، وكأن حد أمرهم إنهم ما ينطقوش بحرف. وبعد دقايق، تليفون أبويا رن، فقام وخرج البلكونة علشان يرد. وأول ما اتأكد صاحبه إنه بعد عننا، قرب مني وقال بصوت واطي جدًا: — اسمعيني كويس يا بنتي… مهما حصل الليلة دي، أوعي تحكمي على أبوكي قبل ما تسمعي الحكاية كلها!
قلبي بدأ يدق بسرعة. — هو عمل إيه؟ بص ناحية البلكونة، واتأكد إن أبويا لسه مشغول في المكالمة، وبعدين قال: — أبوكي مش الراجل اللي إنتِ فاكرة إنك تعرفيه… وأمك ما ماتتش بعد ولادتك زي ما قالك! حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
بصيتله وأنا مش قادرة أستوعب الكلام. — إنت بتقول إيه؟! يعني إيه أمي ما ماتتش؟! الراجل بلع ريقه، وبص لباقي الموجودين، وبعدين قال: — أمك عاشت بعد ولادتك سنين… وأبوكي كان عارف مكانها طول الوقت! قمت من على الكرسي بعنف لدرجة إن كوباية الميه وقعت على الترابيزة.
— إنت كداب! صوتي كان عالي لدرجة إن أبويا سمعني من البلكونة. دخل بسرعة، ولما شاف وشي، فهم إن صاحبه قال حاجة. — إنت قلتلها إيه يا محمود؟! محمود وقف وقال: — كفاية يا حسن! البنت كبرت، ومن حقها تعرف! بصيت لأبويا ودموعي نازلة.
— ماما عايشة يا بابا؟قربت منه وأنا بترعش. — رد عليا! ماما عايشة ولا ميتة؟! غمض عينيه، وقال بصوت مكسور: — أمك ماتت يا مريم… بس مش في الوقت اللي قلتلك عليه. — إمتى؟ — من خمس سنين. الكلمتين نزلوا عليا زي الصاعقة. خمس سنين!
يعني أمي كانت عايشة عشرين سنة من عمري، وأنا فاكرة إنها ماتت وأنا رضيعة! كانت عايشة وأنا بدخل المدرسة لأول مرة. كانت عايشة وأنا بنجح في الثانوية العامة. كانت عايشة يوم تخرجي من الجامعة. كانت عايشة وأنا بقعد بالليل أعيط وأتمنى أشوفها ولو مرة واحدة.
بصيتله وقلت: — إنت حرمتني منها ليه؟! أبويا مد إيده ناحيتي. — مريم، اسمعيني… رجعت لورا. — ما تلمسنيش! كل اللي قاعدين اتجمدوا. وأنا كملت بصوت عالي: — عشرين سنة يا بابا! عشرين سنة وأنا بقرأ الفاتحة على روح واحدة كانت عايشة!
إزاي قدرت تبص في عيني وتكدب عليا كل السنين دي؟! أبويا قعد على الكرسي، وحط وشه بين إيديه. ولأول مرة في حياتي، شفته بيعيط. مش مجرد دموع. كان بيشهق زي طفل صغير. لكن قلبي وقتها كان مليان غضب لدرجة إني ما قدرتش أتعاطف معاه.
مسكت شنطتي وكنت همشي. لكن محمود وقف قدامي وقال: — قبل ما تمشي، افتحي الظرف يا مريم. بصيت للظرف البني. — إيه ده؟ اعتراف جديد؟ قال بهدوء: — ده جواب من أمك… كتبته بإيدها قبل ما تموت. اتجمدت. — جواب ليا أنا؟ هز راسه.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.