رساله من الماضي حكايات اسما السيد
أبويا طلب مني أخرج أتعشى معاه، ولما قعدنا وسط أصحابه، مسك إيدي قدامهم كلهم وقال جملة خلت الدم ينشف في عروقي: — أحب أعرّفكم على البنت اللي بحبها أكتر من أي حد في الدنيا! فضلت قاعدة جنبه وأنا مش فاهمة حاجة، وقلبي مقبوض بطريقة غريبة، خصوصًا لما لاحظت إن كل اللي قاعدين على الترابيزة بيبصوا لبعض، وكأنهم عارفين سر كبير أنا الوحيدة اللي معرفوش!
وفجأة، واحد من أصحابه بص لأبويا وقال بصوت واطي، لكني سمعته بوضوح: — يعني إنت لحد دلوقتي ما قلتلهاش الحقيقة؟! أبويا شد على إيدي بقوة، وكأنه بيترجاني من غير كلام. — مش دلوقتي… أرجوك! في اللحظة دي اتأكدت إن العزومة دي مش طبيعية، وإن فيه حاجة كبيرة مستخبية وراها.
قبلها بيوم، أبويا اتصل بيا وطلب مني ما ارتبطش بأي مواعيد ليلة السبت، علشان عايزني أخرج أتعشى معاه. استغربت جدًا! أبويا عمره ما عزمني أخرج معاه، خصوصًا وسط أصحابه. ده حتى في أعياد ميلادي، عمره ما كان بيعبرلي عن حبه أو يحضني زي أي أب مع بنته.
كل اللي كان بيعمله إنه يبعتلي رسالة قصيرة، ويديني ظرف فيه فلوس، وخلاص على كده! صحيح عمره ما قصّر معايا في أي حاجة مادية، وكان بيوفرلي كل اللي أحتاجه، لكنه كان دايمًا راجل قليل الكلام والمشاعر. عمري ما سمعته بيقولي: بحبك يا بنتي.
وعمري ما شفته بيتكلم عن أمي، إلا نادر جدًا. كل اللي كنت أعرفه عنها إنها ماتت بعد ولادتي بكام شهر. ولما كنت صغيرة وأسأله: — يا بابا، أنا شبه مين أكتر؟ شبهك ولا شبه ماما؟ كان يبصلي لحظات، وبعدين يقول: — إنتِ واخدة عيون أمك.
وبعدها يقوم ويمشي، وكأنه مش قادر يكمل الكلام. لكن الليلة دي كان مختلف تمامًا. حجز ترابيزة في قاعة خاصة جوه مطعم غالي جدًا، ولبس بدلته السودة اللي بقاله سنين محتفظ بيها ومش بيلبسها. والأغرب من ده كله، إن كان فيه ظرف بني كبير وتخين محطوط في نص الترابيزة، ومكتوب عليه اسمي بالكامل.
بصيت للظرف وسألته: — إيه اللي جوه الظرف ده يا بابا؟ رد بهدوء: — هتعرفي بعد ما نتعشى. — طب وليه مش دلوقتي؟ بصلي نظرة غريبة وقال: — علشان لو فتحتيه دلوقتي، ممكن تقومي وتمشي قبل ما الليلة تخلص! حسيت بقشعريرة سرت في جسمي كله.
وقتها افتكرت إن أبويا ممكن يكون تعبان وعنده مرض خطير، وإن العزومة دي يمكن تكون طريقته علشان يودعني! لكن لما بصيت لأصحابه، لاحظت إنهم بيتجنبوا يبصوا في عيني. طلبنا الأكل، لكن أنا مكنتش قادرة أبلع لقمة واحدة.
كانوا بيتكلموا عن أيام شبابهم وذكرياتهم القديمة، وكل شوية يجيبوا سيرة واحدة ست… والغريب إن اسم الست دي كان نفس اسم أمي! وكل مرة اسمها يتقال، كنت بشوف أبويا بيتوتر، وملامح وشه بتتغير. وفجأة، واحد من أصحابه بصلي وقال: — سبحان الله… إنتِ شبه أمك بشكل مش طبيعي!



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.