لا أعرف لماذا لم أركِ من قبل. ابتسمت دُرّة، لكن قلبها كان يردد: — اقتربتُ من العرش، ولم يبقَ إلا أن أسقط الملكة! ومع مرور الأيام، ازداد نفور مراد من زوجته وأولاده، حتى صار يمنعهم من الجلوس معه إلى المائدة، ويغضب إن سمع صوت أحدهم.
أما زينب، فكانت تحاول إخفاء ما يحدث عن الناس، خوفًا على سمعة زوجها وتجارة عائلتها. وفي صباح يوم، دخل مراد إلى المجلس، فوجد زينب جالسة مع أولادها، تحاول إقناعهم بتناول الطعام. ضــ,,ـــــرب بيده على الطاولة وقال: — من سمح لكم بالجلوس هنا؟
وقفت زينب بسرعة: — إنهم أولادك يا مراد، ولم يأكلوا منذ الصباح. قال ببرود: — ليأكلوا في جناحهم! ومن اليوم، لا أريد أن أراهم في مجلسي. شهقت زينب: — أتطرد أبناءك من مجلس أبيهم؟! اقترب منها وقال: — بل سأطردكم من هذا القصر كله، إن لم تتعلمي كيف تطيعينني!
تعلقت الصغيرة بثوب أمها وهي تبكي: — أمي، هل أبي لم يعد يحبنا؟ لم تستطع زينب الإجابة، فضمتها إلى صدـ,,ـــرها وقالت: — أبوك يحبكم يا روحي، لكنه متعب، وسيعود كما كان بإذن الله. لكنها ما إن قالت ذلك حتى دخلت دُرّة، ترتدي ثوبًا فاخرًا، وفي يدها مفتاح غرفة مراد الخاصة.
قالت أمام الجميع: — سيدي، لقد جهزت الغرفة التي طلبتها، ولكن هناك أمر يجب أن نحسمه. نظر إليها: — وما هو؟ أشارت إلى زينب وأولادها، وقالت بجرأة: — لا يمكن أن أظل خادمة في بيت لم يعد لك فيه راحة. إما أن تختار حياتك الجديدة، وإما أن تظل أسيرًا للماضي.
رفعت زينب رأسها، ونظرت إليها للمرة الأولى نظرة لم تحمل خوفًا ولا انكسارًا. — أيتها الجارية، لقد عاملتك كأخت، وكنت أئتمنك على بيتي وأولادي، فكيف استطعتِ أن تردي الإحسان بهذا الجحود؟ ضحكت دُرّة وقالت: — لأنكِ ساذجة يا سيدتي!
كنتِ تظنين أن الطيبة تجعل الجميع يحبونك، لكن الطيبة لا تصنع ملكة، والجمال وحده لا يصنع امرأة يريدها الرجال! صرخ مراد: — كفى! لا أريد سماع كلمة أخرى! ثم التفت إلى زينب وقال: — اجمعي أغراضك وأغراض الأولاد، وغادري القصر قبل غروب الشمس!
نظرت إليه زينب طويلًا، كأنها تبحث في وجهه عن الرجل الذي أحبته عمرًا كاملًا. — أتطردني يا مراد؟ بعد كل هذه السنين؟ أتتركني أنا وأولادك في الشارع من أجل جارية؟ قال بجمود: — لقد انتهى كلامي! ضمّت زينب أولادها، وصعدت إلى غرفتها تجمع بعض الثياب، وهي لا تدري أين ستذهب، ولا كيف ستواجه العالم بعدما انقلب عليها أقرب الناس إليها.
أما دُرّة، فكانت تقف في الشرفة، تنظر إلى القصر الذي طالما حلمت بامتلاكه، وتقول لنفسها: — الليلة، سأدخل غرفة سيد القصر بصفتي سيدته، ولن تعود زينب أبدًا! لكن قبل الغروب بقليل، حدث أمر لم يكن في حسبان أحد.
كان الابن الأكبر، واسمه يحيى، قد لاحظ طوال الأيام الماضية أن أباه يشرب كل ليلة شرابًا تعدّه دُرّة بنفسها، وأنه بعده يصبح أكثر قسوة، ويصرخ حتى في نومه. وفي ذلك اليوم، وبينما كان يحيى يبحث عن دمية أخته الصغيرة، دخل غرفة دُرّة خلسة، فوجد صندوقًا خشبيًّا مخبأً تحت فراشها.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.