ضحكت دُرّة وقالت: — لا تحدثيني عن الحلال والحرام. خذي الذهب، وأعطيني ما جئت من أجله. اقتربت العجوز منها وهمست: — المال لا يشتري كل شيء، يا فتاة، وبعض الأبواب إذا فُتحت لا تُغلق كما كانت. فقالت دُرّة بحدة: — افتحي الباب الذي أريده، ولكِ ضعف هذا الذهب!
نظرت العجوز إلى الدنانير طويلًا، ثم سحبت الكيس نحوها. — اذهبي الآن، وسأخبرك حين يحين الوقت. خرجت دُرّة وقد ظنت أنها أمسكت بمفتاح السعادة، ولم تكن تعلم أنها وضعت قدمها على طريق قد ينتهي بهلاكها. وبعد أيام، عاد مراد من رحلة تجارية طويلة، وكان قد اشترى لأولاده ألعابًا صغيرة، ولزينب ثوبًا من الحرير.
لكن ما إن دخل القصر حتى شعر بصداع شديد، وكأن رأسه قد امتلأ بالنــ,,ـــــار. نادته زينب بفرح: — حمدًا لله على سلامتك يا زوجي! لقد اشتقنا إليك كثيرًا. اقتربت منه لتأخذ عنه عباءته، لكنه ابتعد فجأة وقال بغلظة: — ابتعدي عني! ألا ترين أنني متعب؟
تجمدت زينب في مكانها. — ما بك يا مراد؟ هل حدث لك شيء في الطريق؟ صاح فيها: — قلت لكِ ابتعدي! لا أطيق سماع صوتك! ركض الصغار إليه، وكان ابنه الأكبر يحمل لوحة رسمها له طوال غيابه.— أبي، انظر ماذا صنعت لك! انتزع مراد اللوحة من يده وألقاها على الأرض.
— اذهبوا جميعًا إلى غرفكم! لقد سئمت هذا الصراخ! انفجرت الصغيرة في البكاء، بينما وقفت زينب مذهولة، لا تصدق أن الرجل الذي كان يحمل أبناءه قبل أيام صار ينظر إليهم كأنهم أعداؤه. وفي تلك اللحظة، ظهرت دُرّة من خلف الستار، تخفي ابتسامة انتصارها.
اقتربت من مراد وقالت برقة: — سيدي، لعلك تحتاج إلى الراحة. سأعد لك غرفتك بنفسي. نظر إليها مراد، فسكنت ملامحه فجأة، وقال بصوت هادئ: — أنتِ الوحيدة التي تفهمينني في هذا البيت يا دُرّة. سمعت زينب العبارة، وشعرت كأن خنجرًا غُرس في صدـ,,ـــرها. وفي الليل، جلست إلى جوار زوجها تحاول الحديث معه.
— يا مراد، إن كنت غاضبًا مني بسبب أمر فعلته، فأخبرني، والله ما أردت يومًا إلا رضاك. التفت إليها بعينين باردتين. — وهل تظنين أن كل شيء يدور حولك؟ لقد ضقت بهذا البيت، وضقت بكِ، ولم أعد أحتمل رؤية وجهك! وضعت زينب يدها على فمها حتى لا تصرخ من شدة البكاء.
— مراد، أنا زوجتك منذ خمسة عشر عامًا! وقفت بجوارك حين كنت تبدأ تجارتك بدراهم قليلة، وبعت حليي يوم خسرت أول صفقة، وكنت أقول لك إننا سننهض من جديد! أهذه مكافأتي؟ صرخ: — لا تذكّريني بالماضي! لقد انتهى كل شيء!
ثم نهض وخرج من الغرفة، تاركًا إياها تبكي وحدها. وفي الممر، كانت دُرّة تنتظر، فلما رأته قالت: — لا تحزن يا سيدي، فبعض الناس لا يستحقون ما تمنحهم إياه من حب. أمسك مراد بيدها وقال: — منذ دخلتِ حياتي، شعرت أنني أستطيع التنفس. لا أعرف لماذا لم أركِ من قبل.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.