سماح كانت بتحرك الجل وعينيها مركزة على الشاشة، وبتفتح كلام مع مريم عن المدرسة والمواد اللي بتحبها عشان تشتت انتباهها.وفجأة.. سماح سكتت تماماً.الكلام خلص في ثواني، وشفايفها انضغطت على بعضها بغضب وقلق، وبطلت تحرك الجهاز وثبته في نقطة معينة في جنب بطن مريم اليمين.
فضلت تدوس على أزرار الجهاز بسرعة، بتقرب الصورة وتقيس حاجة على الشاشة بالمؤشر، والدم اتسحب من وشها بالتدريج.صورت تلات لقطات بسرعة ورا بعض، وحواجبها اتعقدت من شدة التركيز والخطورة.حسيت بثلج بيمشي في عروقي، وسألتها بصوت مرتعش وبعيد:«هو.
. هو فيه حاجة مش مظبوطة؟»سماح مبصتليش أصلاً، وخدت فوطة ورقية مسحت بيها الجل بسرعة من على بطن مريم، وقالت وهي بتقوم:«أنا هخلي استشاري الأشعة يبص بصة سريعة على الصور دي، ودقايق والدكتور المسؤول هيكون عندكم».
صوتها كان ناشف وخالي من أي دفء. سابتنا وخرجت شبه هربانة من الأوضة.بصتلي مريم وعينيها واسعة من الرعب. مسكت إيدها.. كانت ساقعة كأنها حتة ثلج.بعد عشرين دقيقة من القلق اللي كان بياكل أعصابنا، الباب اتفتح بهدوء.
دخل الدكتور "أدهم"، دكتور طويل وملامحه جدية وفي أواخر الأربعينات، وعينيه واضحة عليها التعب. مكنش ماسك ورق، كان ماسك تابلت، وقفل الباب وراه كويس لحد ما عمل صوت تكة.مابتسمش، ومحاولش يلطف الجو، بص لي مباشرة ونظراته كلها جفافه وخطورة:«مدام مريم.
. قبل ما نتكلم في تفاصيل الصور اللي لسه عاملينها، لازم أسألك سؤال إجرائي مهم جداً: هو أبوها عارف بالحالة دي من إمتى بالضبط؟!»
السؤال نزل على دماغي زي صاعقة كهربا. حسيت إن الأكسجين اتقطع من الأوضة وإن الحوائط بتقرب مني عشان تطبق عليا.
بصيت للدكتور أدهم وقولت بصوت مهزوز وناشف:«قصدك ايه يا دكتور؟ أبوها مين؟ طارق مكنش يعرف غير إنها مجرد آلام عادية.. هو أصلاً كان فاكرها بتدلل!».الدكتور أدهم هز راسه ببطء شديد، ووجه تابلت الصور ناحيتي وقال بنبرة مليانة جمود وغضب مستتر:«مدام..
الحالة اللي قدامي دي مش حاجة طارئة ظهرت امبارح ولا أول إمبارح.. دي ورّام كبير وبقى له شهور طويلة بيكبر وينتشر، وسبب مضاعفات خطيرة وقاتلة لو مكنش اتلحق.. والملف الطبي اللي عندي بيقول إن الطفلة دي دخلت المستشفى هنا بالذات، ونفس القسم، من خمس شهور فاتت.
. والملف متسجل عليه اسم الأب بالكامل، وإنّه تبلّغ بكل التفاصيل وحالته الحرجة بالورق والمستندات!».الكلمات نزلت عليا كأن حد ضربني بمطرقة على دماغي.خمس شهور؟!يعني طارق مكنش جاهل بالموضوع ولا بيتعامل على إنه دلع بنات زي ما كان بيقولي؟!يعني هو مش بس كان عارف.
. ده كمان جه المستشفى دي بنفسه، وقعد على نفس الكرسي اللي أنا قاعده عليه دلوقتي، وسمع نفس الكلام الخطير.. وسكت؟! ساب بنته الوحيدة بتتألم وتتلوى من الوجع كل ليلة، ويقول لي "بطلي دلع"، وفي الخفى كان خافي عني السر ده كله؟!
بصيت لمريم اللي كانت قاعدة بتترعش وعيونها مليانة دموع ومش فاهمة إحنا بنتكلم في ايه، وبعدين رجعت بصيت للدكتور أدهم، وقلبي بينبض بجنون وصوتي بيطلع بصعوبة بالغة:«أنت.. أنت متأكد؟! طارق.. جوزي جه هنا من خمس شهور؟!».



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.